مركز الثقافة والمعارف القرآنية

47

علوم القرآن عند المفسرين

أنواع الاحكام والنسخ : وجماع ذلك أن الاحكام تارة يكون في التنزيل ، فيكون في مقابلته ما يلقيه الشيطان ، فالمحكم المنزل من عند اللّه ، أحكمه اللّه أي فصله من الاشتباه بغيره وفصل منه ما ليس منه ، فان الإحكام هو الفصل والتمييز والفرق والتحديد الذي به يتحقق الشيء ويحصل إتقانه ، ولهذا دخل فيه معنى المنع كما دخل في الحد بالمنع جزء معناه لا جميع معناه . وتارة يكون في إبقاء التنزيل عند من قابله بالنسخ الذي هو رفع ما شرع ، وهو اصطلاحي ، أو يقال - وهو أشبه بقول السلف - : كانوا يسمون كل رفع نسخا ، سواء كان رفع حكم أو رفع دلالة ظاهرة . وإلقاء الشيطان في أمنيته قد يكون في نفس لفظ المبلغ ، وقد يكون في مسمع المبلغ ، وقد يكون في فهمه ، كما قال : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها « 1 » الآية . ومعلوم أن من سمع النص الذي قد رفع حكمه أو دلالة له ، فإنه يلقى الشيطان في تلك التلاوة اتباع ذلك المنسوخ فيحكم اللّه آياته بالناسخ الذي به رفع الحكم وبان المراد . وعلى هذا التقدير فيصح أن يقال : المتشابه المنسوخ بهذا الاعتبار . واللّه أعلم . وتارة يكون الإحكام في التأويل والمعنى ، وهو تمييز الحقيقة المقصودة من غيرها حتى لا تشتبه بغيرها . وفي مقابلة المحكمات الآيات المتشابهات التي تشبه هذا وتشبه هذا . فتكون محتملة للمعنيين . قال أحمد بن حنبل : المحكم الذي ليس فيه اختلاف ، والمتشابه الذي يكون في موضع كذا وفي موضع كذا « 2 » ، ولم يقل في المتشابه : لا يعلم تفسيره ومعناه إلا اللّه ، وإنما قال : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ « 3 » وهذا هو فصل الخطاب بين المتنازعين في هذا الموضع . فإن اللّه أخبر أنه لا يعلم تأويله إلّا هو والوقف هنا على ما دل عليه أدلة كثيرة ،

--> ( 1 ) سورة الرعد : الآية 17 . ( 2 ) هذه زيادة من مجموع الرياض . ( 3 ) سورة آل عمران : الآية 7 .